الشيخ محمد رشيد رضا

398

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الآية التي نفسرها 6 - القول على اللّه بغير علم ، وهو أعظم هذه الأنواع من أصول المحرمات الذاتية التي حرمها اللّه تعالى في دينه على ألسنة جميع رسله ، فإنه أصل الأديان الباطلة ، ومنشأ تحريف الأديان المحرفة ، وشبهة الابتداع في الدين الحق الناسخ كتابه المعصوم للأديان المبدلة ، والمهيمن على الكتب المحرفة ، المحررة سنة رسوله بالأسانيد المتصلة ، والمحصاة تراجم روانها في الكتب المدونة ، فمن العجائب بعد هذا أن ينتشر في أهله الابتداع ، وتتعارض فيه المذاهب وتتعادى الاشياع ، مع نهي كتابه عن التفرق والاختلاف ، ووعيده المتفرقين بعذاب الدنيا وعذاب النار ، ومع بيانه للمخرج من فتنة التنازع ، ومعالجته لادواء التدابر والتقاطع . ولكنهم حكموا الأهواء حتى في العلاج والدواء فاتبعوا كما أنبأ الرسول ( ص ) سنن من قبلهم حتى في قوله تعالى ( وَمَا اخْتَلَفَ فيه إلا الَّذِينَ أُوتُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ ) ومن غمة الجهل أن أكثر المسلمين لا يشعرون بهذا حتى علماؤهم الذين يروون حديث « لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم » قلنا يا رسول اللّه : اليهود والنصارى ؟ قال « فمن ؟ » رواه الشيخان وغيرهما وفي رواية شبرا شبرا وذراعا ذراعا . فهم يقولون : صدق رسول اللّه ولا حول ولا قوة إلا باللّه ، ولا يبحثون في أسباب هذا الابتداع ولا يتأملون في أقوال من بحث فيها قبلهم من العلماء فقد نقل الحافظ بن عبد البر في كتاب العلم وغيره من الحفاظ عن بعض علماء الصحابة والتابعين أن رأس البلية في هذا الابتداع القول في الدين بالرأي ، وهذا هو الحق فما من أحد يبتدع أو يتبع مبتدعا في أصول الدين أو فروعه إلا وهو يستدل على بدعته بالرأي ، وقد ظهرت مبادئ هذه البدع والآراء والأهواء في الون الأولى ون العلم والسنة والامر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ولم يكن هذا كله بمانع لها إذ كان من الافراد ، لا من مصدر القوة والنظام - الذي هو مقام الخلافة الاسلامية - فكيف يكون الامر بعد ذلك وقد زال العلم أو كاد ؟ إذ لا علم إلا علم الاستقلال والاجتهاد . وقد صار محصورا في أفراد لا يعرف قدرهم العوام ، ولا يتبعهم الحكام ، ثم فشا النفاق والدهان ، وصار طلب العلم الديني حرفة للكسالى والرذال . روى ابن أبي خيثمة من حديث أنس : قل يا رسول اللّه متى يترك الامر بالمعروف والنهي عن المنكر .